حزبُ الله .. سيّدُ لبنان الأكبر المقبِل

حزبُ الله .. سيّدُ لبنان الأكبر المقبِل

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
29/07/2021

ترجمة: مدني قصري            

هَجر المسيحيون لبنان فهجرهم لبنان؛ فبعد مغادرات كثيفة أصبحوا أقلية تواجه الشيعة، الذين ليس أمامهم سوى السنّة، مع وجود 1.800.000 لاجئ من سوريا، معظمهم من السنّة.

فإذا كان دورُه يتمثّل في تكريس الوضع الراهن القائم، فإنّ الحزب الشيعي لا يعارض فكرة طوي صفحة الطائف، ومن ثمّ تعزيز التكامل المؤسّسي للشيعة.

هل من الممكن إيجاد طريقة للخروج من الأزمة اللبنانية دون مراجعة النظام الذي تصدّع قبل انهياره رأساً على عقب؟ هذا السؤال يغذّي اليوم العديدَ من المناقشات في أوساط الطبقة السياسية التقليدية، لكن أيضاً في صفوف المعارضة التي تأمل في أن يؤدّي الانهيار الكلّي إلى مشروع سياسي واقتصادي جديد، فالأحزاب السياسية التقليدية التي ترتبط بشكل جوهريّ بالنظام القائم، سوف تدافع عن هذا المشروع بكلّ ما أتيح لها من قوّة، ليس فقط من أجل المصلحة، لكن أيضاً خوفاً من أن تستفيد منه القوى الأخرى، وفي مقدّمتها حزب الله.

على الرغم من أنّ أولئك الذين يراهنون على وفاة العالم القديم لرؤية بروز العالم الجديد؛ فإنّ تدهور البلاد الكامل يهدّد اليوم بتعزيز الفوضى السائدة، دون أن يؤدي ذلك إلى ظهور بديلٍ حقيقي؛ فمن أجل تجنّب هذا السيناريو قرّر الغربيون دعمَ الجيش اللبناني، وتعزيزَ أعماله الإنسانية في البلاد، فالهدف بالنسبة إليهم، هو خلق شروط الانتقال الذي يجب أن يبدأ تشكّلُه مع الانتخابات التشريعية المخطّطة، لعام 2022، بل وقد ذكر الرئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، الحاجةَ إلى التفكير في عقدٍ اجتماعي جديد في لبنان، خلال زيارته إلى بيروت في أعقاب الانفجار في الميناء، في 4 آب (أغسطس) 2020.

على الرغم من أنّ أولئك الذين يراهنون على وفاة العالم القديم لرؤية بروز العالم الجديد؛ فإنّ تدهور لبنان الكامل يهدّد اليوم بتعزيز الفوضى السائدة

حزب الله هو الحزب الذي يتحدّث في الموضوع بشكل علني؛ فخلال خطابه الأخير، في أوائل تموز (يوليو)، رأى حسن نصر الله أنّ لبنان يعاني "أزمة نظام"، وكان الأمين العام للحزب الشيعي قد أعرب عن ذلك بالفعل بالعبارة ذاتها، عام 2012، في ذلك الوقت، دعا حزب الله إلى عقد مؤتمر لمناقشة الدستور، في حين كان يشعر بخطر تأثير "الربيع العربي" في الواقع السياسي اللبناني، خاصة الثورة السورية، التي كانت في ذروتها، فإذا كان اقتراح هذا الحزب الموالي لإيران قد استقبِل بالعديد من الانتقادات المحلية؛ فإنّ تطور المشهد الإقليمي هو الذي دفعه في النهاية إلى "وضع هذه الفكرة في الدرج".

إنّ فشل الثورة السورية من ناحية، والاتفاق بشأن النووي الإيراني من ناحية أخرى، أعطياه الشعورَ بأنّه  صاحبُ القوّة العظمى، وقد رفعته تسويةُ عام 2016 بين ميشيل عون وسعد الحريري إلى مستوى السيّد بلا منازع في اللعبة؛ حيث أصبحت جميع الأطراف مرتبطة به ارتباطاً مباشراً.

لا شكّ في أنّ الوضع الحالي، الذي يتّصف بتفاقم أزمةِ الحَوكمة، لبنان لم يتمكّن حتى من تشكيل حكومة، سيؤدّي إلى حسابات أخرى داخل حزب الله.

من ناحية، هو يتموقع كمُدافع رئيس عن الوضع القائم، والذي يسمح له بالتحكم في القرارات السياسية والإستراتيجية الرئيسة، ومن ناحية أخرى؛ فهو يّهيّئ نفسَه لتغييرٍ محتمَل يجب أن يكون في مصلحته.

 خلف الكواليس، يجري الحديث عن تغيير في الدستور، أو عن عقدٍ اجتماعي جديد، جميع هذه المصطلحات تنصبّ في الاتجاه نفسه، وهو الخروج من اتفاق الطائف، الذي عرف هو نفسه تخلخلاً كاملاً بسبب اتفاقيات الدوحة، عام 2008، لتحقيق صيغة دستورية جديدة تعيد توزيع ميزان القوى السياسية.

عجز التمثيل المؤسسي

"يريد حزب الله تغيير الدستور لصالحه"، هكذا اتّهمه رجل سياسي، لم يكشف عن هُويته، يعاني الشيعة حالياً عجزاً في التمثيل المؤسسي فيما يتعلق بوزنهم السياسي الحقيقي، لا سيما بالمقارنة مع المسيحيين، وإلى حدّ أقل مع السنّة. تغييرُ الدستور، الذي يمكن أن يشمل نظامَ توزيع السلطة إلى ثلاث ثلاثيات (المسيحيين والسنّة والشيعة)، سيكون في المقام الأول على حساب المسيحيين، وسوف يُضعِف منطقَ السنّة السياسي.

 ما يزال ميشيل عون، إلى اليوم، يرى أنّ اتفاق الطائف كان كارثة على المسيحيين، ويسعى إلى التحايل عليه من خلال توسيع صلاحياته الرئاسية، باستعمال إستراتيجية الحظر، لكن من المحتمل أن يُقلص دستورٌ جديد من صلاحيات الطرف المسيحي لصالح الشيعة، ويجب أن تكون القوات اللبنانية، وهي أقل تبعيّة لمُحاباة الدولة، والتي يستند نجاحُها إلى المزيد من القواعد الأيديولوجية، أقلَّ تعرّضاً من غيرها لأيّ تغيير في التكوين السياسي، وسيكون تيار المستقبل، والحزب الاشتراكي التقدّمي، والتيار الوطني الحرّ، وحركة أمل، من ناحيتهم، اكبرَ الخاسرين في التاريخ.

تعزيز الصلاحيات الشيعية ممكنة مقابل تسوية إقليمية تحكم مسألة أسلحة حزب الله، شريطة أنه لا يستطيع أن يحصل على كلّ شيء دون التخلي عن أيّ شيء

في حديثه للقاعدة، كان ميشيل عون يقول إنّه ضدّ النظام، لكنّه أصبح جزءاً لا يتجزأ منه، كما قال سياسي سابق، مقرّب من قصر بعبدا، وعلى جانب سعد الحريري، فالاستعداد قائم لهذا الاحتمال، وقال أحد المقرّبين من رئيس الوزراء السابق: "يسعى الحريري إلى توحيد السنّة كي يشكّلوا جبهةً قوية حين يأتي أوانها". المختارة وبكركي تدافعان عن دورهما في الموقف نفسه تقريباً: الحاجة إلى احترام دستور الطائف، الذي تمّ العبثُ به إلى حدّ كبير منذ تنفيذه، أوّلاً من قِبل السوريين، ثم من قِبل الأطراف المحلية، لا سيما أعضاء ائتلاف 8 آذار (مارس).

السيناريو العراقي

"بالطبع، نحن نبحث عن صيغة جديدة، لكنّ الوقت غير مناسب الآن لطرح الموضوع على طاولة النقاش، لأنّ الأمر يتطلب مزيداً من الاستقرار"، يقول قياديٌّ من الحزب الشيعي. بمعنى آخر: حزب الله، اليوم، يفضّل خياراً مؤقتاً قبل أن تصبح الديناميكيات المحلية والإقليمية أكثر ميلاً واستعداداً لتغيير أكثر عنفاً ووحشية؛ ففي حالة حدوث اتفاق إقليمي كبير، قد تصبح الأسلحة أداةَ تفاوضٍ لتحديد الدستور الجديد.

تعزيز الصلاحيات الشيعية يمكن أن يَحدث مقابل تسوية إقليمية تحكم مسألة أسلحة الحزب، شريطة أن يقبل هذا الأخير بأنّه لا يستطيع أن يحصل على كلّ شيء دون التخلي عن أيّ شيء، في هذا السياق قال أحد النواب المعارضين للشيعية: "يشعر مسؤولو حزب الله بأنهم ضحّوا بدمائهم، وأنهم يجب أن ينالوا من الآن فصاعداً مكافآتهم".

فكرة حدوث سيناريو على الطريقة العراقية باتت، أكثر فأكثر، موضِع مناقشة خلف الكواليس، تتضمّن إستراتيجية الدفاع الوطني، التي وعد ميشيل عون بتحديدها قبل تخليه عنها حتى لا يُغضِبَ حليفَه الشيعي القوي، دمجَ الميليشيا ضمن المؤسسات، كما حدث مع قوات الحشد الشعبي في العراق؛ إذ تفيد تقارير عدة، بحسب صحيفة "L’Orient-Le Jour" اللبنانية، بأنّه يتمّ في مراكز التحليل التابعة لحزب الله، النظرُ في تطبيق المناوبة الرئاسية، أو تعيين نائب رئيس الجمهورية من الطائفة الشيعية، إضافة إلى تطبيق مناوبة في مراكز الدولة الرئيسة، مثل قيادة الجيش، وحَوْكَمة البنك المركزي وغيرها.

عشية الحرب الأهلية لعام 1975، كانت مسألة تغيير النظام، الذي وُصِف بانحيازه المفرط للمسيحيين، مطروحة بالفعل على الطاولة، إضافة إلى عدمُ قدرة الأحزاب على مواجهة هذه المشكلة، من الأسباب التي كلّفت لبنان خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، فإذا كان الوضع مختلفاً اليوم، فمن الواضح أنّ هذه المسألة، على الرغم من أهميتها القصوى لكلّ من القوى التقليدية، وتشكيلات المعارضة على السواء، لا تكاد تُذْكر الآن في المناقشة العامة.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

www.jforum.fr

الصفحة الرئيسية