كيف نقرأ مشهد الانقسام الإخواني في ضوء المتغيرات الإقليميّة والدوليّة؟

كيف نقرأ مشهد الانقسام الإخواني في ضوء المتغيرات الإقليميّة والدوليّة؟

مشاهدة

21/10/2021

تمثل حالة الصراع بين جبهة لندن بقيادة إبراهيم منير، وجبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين، وما نتج عن ذلك من تحرك لكل جبهة؛ لإزاحة الأخرى من المشهد العام داخل جماعة الإخوان المسلمين، نتيجة حتميّة لكافة تفاعلات الأحداث التي مر بها التنظيم، خلال السنوات الأخيرة، ومن بينها المتغيرات الإقليميّة والدوليّة، التي ظهرت إثر تبدل الأطراف الراعية والداعمة للجماعة، وتباين وجهات النظر حول المصالح الاقتصاديّة والسياسيّة بين دول المنطقة، ومن ناحية أخرى ما جرى لتنظيمات الإسلام السياسي من سقوط، في عدد من دول المنطقة، ما بدّل أولويات التوجهات السياسيّة، لدى عدد من القوى الإقليميّة والدوليّة.

اقرأ أيضاً: إلى أين تتجه سيناريوهات الصراع بجماعة الإخوان؟

إذاً نحن إزاء تمثلات مغايرة، تبدو حاضرة على خلفية توجّه أنصار كل جبهة نحو عزل ممثل الأخرى، في تحرك نحو  السيطرة على تنظيم يحاول الصمود في لحظاته الأخيرة، للبقاء على قيد التشكل، بصورته التي استقرت عبر عقود طويلة مضت.

الصراع داخل الجماعة ظلّ يتفاعل طيلة الشهور الماضية، والتي جرى خلالها تبادل الاتهامات بين قياداته، حيث قرر القائم بأعمال مرشد الجماعة، إبراهيم منير، الذي يقود جبهة لندن، فصل الأعضاء الستة نهائياً، بعد وقت قصير من إحالتهم للتحقيق، بزعامة محمود حسين، الذي يقود جبهة إسطنبول.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مناورات عبثية في تونس وتسريحات داخلية في المغرب

وأكد المتحدث باسم الجماعة، طلعت فهمي، المحسوب على جبهة الأخير، في مقطع مصور عبر تطبيق تليغرام، أنّ مجلس شورى الجماعة قرر "عزل منير، كقائم بأعمال الجماعة، مع بقائه في التكليفات الخارجية الموكلة إليه".

وردّ منير على هذه الخطوة في مقطع مصور أيضاً، معتبراً القرار الذي اتخذ في حقه "باطلاً لمخالفته اللائحة، وخروجه من غير ذي صفة"، وأنّ من أسهم فيه "أخرج نفسه من الجماعة، وهو والعدم سواء".

واقع الإخوان ومتغيرات الراهن السياسي

لا ينبغي الاشتباك مع راهن ومستقبل تنظيمات الإسلام السياسي، وتفاعلاته الداخلية، بعيداً عن الحالة السياسيّة التي تبدو فيها مجتمعاتها، وارتباط ذلك بمتغيرات السياسة الإقليميّة والدوليّة، إذ إنّها تمثل طرفاً أصيلاً في تطور التنظيم، واختبار مدى حضوره في المجال العام، منذ عقود طويلة، بدأت منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وصولاً للحظة الراهنة، مروراً بتجارب عديدة، خبر فيها التنظيم المتغيرات السياسية، داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً.

ربما الحالة الراهنة التي بدا عليها الإخوان، تبدو الأكثر عنفاً من حيث تمزق الجماعة، وتعقد بنيتها التنظيمية؛ كاستجابة مباشرة لتشابك الأحداث، وعنف تطور الديناميكيات الإقليميّة والدوليّة.

ثمة مقاربة بدت في تاريخ الجماعة، إبان خمسينيات القرن الماضي، مع اندلاع ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، إثر سعي الجماعة نحو الاستقرار، تحت ولاية المرشد الأول بعد مقتل المؤسس حسن البنا، المستشار الهضيبي، وتحرك بعض قيادات التنظيم الخاص المسلح، للإطاحة بالهضيبي، الذي قرر حينها فصل خمسة من قيادات التنظيم الخاص .

 

إسلام أوزكان: طبيعة الصراع الذي دب بين قيادات الجماعة، يعود لعناصر داخلية في التنظيم، وليست نتيجة مباشرة للسياسات المتغيرة لحزب العدالة والتنمية

 

جاء سياق  تلك الأزمة التي اندلعت من داخل التنظيم، على إثر المتغيرات السياسيّة في القاهرة، مرة بين البنا والملك فاروق، وتبدل الوضع السياسي باندلاع الثورة، واستقرار جمال عبد الناصر على كرسي السلطة، بعد أزمة آذار (مارس) 1954، بيد أنّ الوضع الإقليمي والدولي الذي كان يرعى الإسلام السياسي، ويرى في ثنائية الدين والسياسة عاملاً رئيساً في التموضعات السياسية العالمية، تكفّل برعاية التنظيم، وإحيائه مرة أخرى مع سبعينيات القرن الماضي، وتوظيف حضوره وانتشاره إقليميّاً.

إلى ذلك يمكننا التدقيق في هذا العامل، باعتباره المتغير في معادلة صياغة "الإخوان المسلمون" داخل المجال العام، وتمثلها في أدوار وظيفية.

اقرأ أيضاً: صراع إخوان إسطنبول ولندن: تناحر القيادات هل ينحر الجماعة؟

من جانبه يذهب الكاتب السياسي التركي، إسلام أوزكان، في حديث خصّ به "حفريات"، إلى أنّ حزب العدالة والتنمية، هو حزب سياسي براغماتي للغاية، ولهذا  لا يستقر رأيه عند كونه ذا توجه إسلامي، رغم حرصه الشديد على أن يبدو كذلك، فلا هيكل الحزب، ولا هيكل المجتمع التركي، يسمح له باتباع مثل هذه السياسة.

ويلمح الكاتب التركي إلى أنّ الدعم الذي قُدم للإخوان، ارتبط إلى حد كبير بتصور أنقرة  للتهديدات الداخلية والخارجية الموجهة إليها، في فترة ما بين 2013-2020 وليس لأسباب أيديولوجية، تستقر في أيديولوجيا حزب العدالة والتنمية، والرئيس رجب طيب أردوغان.

الآن الظروف تغيرت، وزادت إلى حد كبير تكلفة دعم الإخوان المسلمين، سيما في العامين الماضيين، حيث عانى حزب العدالة والتنمية من خسارة كبيرة في الأصوات؛ بسبب السياسات الاستبدادية، والأزمة الاقتصادية، وتآكل دعمه، فضلاً عن ضرورة الحفاظ على علاقات أنقرة مع المحيط العربي، ودول الخليج العربي، حيث توجد بينهما استثمارات ضخمة، ولن يضحى رأس المال الخليجي قائماً، سوى بتخلي أردوغان عن دعم الإخوان المسلمين.

 

كمال الهلباوي: تنظيم الإخوان بصورته الحالية، ليس النموذج الوازن في الشرق الأوسط، ولا يمكن النظر إليه بصورته التي بدت خلال بدايات العقد الماضي

 

ويرى الكاتب السياسي التركي، إسلام أوزكان، أنّ طبيعة الصراع الذي دبّ بين قيادات الجماعة، يعود لعناصر داخلية في التنظيم، وليست نتيجة مباشرة للسياسات المتغيرة لحزب العدالة والتنمية، لافتاً إلى أنّ الأزمة داخل الجماعة موجودة منذ زمن طويل.

سقوط التنظيم مسألة وقت

القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، كمال الهلباوي، يؤكد في سياق تصريحاته لـ"حفريات"، أنّه لم ينتبه أيّ شعورغريب، وهو يتابع تصاعد موجات الصراع بين جبهتي محمود حسين، وإبراهيم منير، طيلة الشهور الماضية، بل ويؤكد أنّ ما وقع خلال شهر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، تأخر كثيراً، وأنّه كتب عن تفتت الجماعة، وتشتت التنظيم، منذ انتهاء ولاية المرشد الأسبق، مهدي عاكف، وسيطرة التيار القطبي على الإخوان، وتقديم العمل السياسي والحزبي على الدعوي .

يتابع الهلباوي حديثه قائلاً: "السياسة لا تعرف سوى لغة المصالح، إذ يعمل كل طرف صوب مصلحته، وإلى ذلك ثمة تصور لا ينبغي إغفاله، يستقر عند تغير تمثلات السياسة الإقليمية، وتبدل مفاعيلها، حيث لم يعد الإسلام السياسي، وتنظيم الإخوان المسلمين بصورته الحالية، النموذج الوازن في الشرق الأوسط، ولا يمكن النظر إليه بصورته التي بدت خلال بدايات العقد الماضي، وعلى خلفية هذه المتغيرات التي تفاعلت، مع تغافل القيادات الحالية في التنظيم لقيم الإسلام الصحيحة، بدا للجميع صورة التنظيم الممزقة، وتشتت الهيكل الذي قامت على أركانه الجماعة".

عمرو الشوبكي: لن تتخلى تركيا بالكلية عن ورقة الإخوان، وإن بدا للجميع أنّها خفضت مؤخراً منسوب دعمها للتنظيم

الهلباوي يرى أنّ السياسة دوماً تعني البحث عن السلطة، والصراع من أجلها مهما حدث، وعبر ذلك يمكن النظر إلى ما وقع بين الكتل الوازنة في التنظيم، من خلال تأويل كل جبهة للائحة، ودفع كل طرف تجاه إزاحة الآخر من المشهد العام، وإعلانه أنّه الممثل الوحيد للإخوان.

ويختتم كمال الهلباوي تصريحاته، بالإشارة إلى أهمية أن يدرك من يتصدر المشهد العام داخل الجماعة الآن، أنّ ثمة فارقاً كبيراً بين المناصب، والسعي نحوها، والصراع من أجلها، وبين العمل الدعوي، الذي ينبغي أن يتركز حول المنظومة القيميّة للإسلام.

لحظة الإخوان الاستثنائيّة

لن تتخلى تركيا بالكلية عن ورقة الإخوان، وإن بدا للجميع أنّها  خفضت مؤخراً منسوب دعمها للتنظيم، هكذا يذهب دكتور عمرو الشوبكي، الكاتب والمفكر السياسي المصري، في إطار تعقيبه على تصاعد موجات الصراع، بين جبهتي محمود حسين، وإبراهيم منير، إذ يلفت الشوبكي إلى أنّ كافة المؤشرات، تستقر نحو ترجيح كفة من يحوز أوراق القوة، المتمثلة في المال والإدارة.

ويشير الشوبكي، في تصريحاته التي خص بها "حفريات"، إلى أنّ الصراع الذي مزق أوصال التنظيم، وبدد أركانه خلال السنوات التي تلت ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، عمّق الفجوة بين الجيل القديم وجيل الشباب في التنظيم، والجميع أدرك ذلك منذ أحداث ثورة 25 كانون الثاني (يناير)، وتباين وجهات النظر بين قادة التنظيم آنذاك والشباب، الأمر الذي دفع بعضهم إلى تكوين جبهات وتحالفات أخرى، غير أنّ ما وقع مؤخراً بين إبراهيم منير، ومحمود حسين، وتراكم بعض الشخصيات المؤثرة من هنا وهناك، وراء هذا الحشد أو ذاك، على خلفية تأويل كل جانب للائحة، وما ينبغي أن يقع من إجراءات تنظيمية وتأديبية، سينتج ذاكرة مغايرة عن تنظيم الإخوان المسلمين، التي اعتادت أن تكتم أخبارها، وتمرد بعض من ينتسب إليها، في الوقت الذي خرج فيه كل طرف ليكشف كافة أوجه الانحراف المالي والإداري والأخلاقي عند الطرف الآخر.

اقرأ أيضاً: صمت الإخوان عن إدانة مقتل النائب البريطاني: مباركة مبطّنة؟

إنّها لحظة استثنائية في تاريخ التنظيم، سيحتاج على إثرها إلى زمن طويل، حتى يتعافى من تبعاتها، يتابع عمرو الشوبكي، ليشير إلى أنّ كفة الترجيح ستكون لصالح إبراهيم منير، بيد أنّ حلقات الصراع التي تدور رحاها داخل الخلايا الأولية والثانوية، منذ أمد طويل، تركت الجسد طريح الفراش، ويلفت الشوبكي إلى أنّه لا يتفق مع من يذهب نحو إعلان لحظة النهاية، إذ إنّ ذلك يحتاج إلى المضي نحو مقاربات معرفية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، مغايرة لما تعرفه المنطقة العربية، حتى يتسنى لنا الوصول إلى هذه النقطة المركزية، من نهاية الإسلام السياسي.



الصفحة الرئيسية