ما دامت حركة النهضة الإخوانية في الحكم.. ضد من تتظاهر إذن؟

ما دامت حركة النهضة الإخوانية في الحكم.. ضد من تتظاهر إذن؟

مشاهدة

01/03/2021

لم تكُفّ حركة النهضة الإخوانية منذ خروجها من السرّية إلى العلن عام 2011، وتمكنّها من الحكم في تونس، عن ابتداع أشكال جديدة في العمل السياسي، أغلبها ناقضت فيها نفسها ومرجعيتها الدينية، وحتى قاعدتها السياسية، فقد مرّت من حزب أيديولوجي إلى حزب مدني من أجل الحفاظ على السلطة، وتوافقت مع الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الذي قالت عنه "رمز النظام الدكتاتوري"، وتحالفت مع حزب "قلب تونس" الذي اتهمته بالفساد، لتحشد الشارع اليوم للاحتجاج ضد السلطة، وهي السلطة نفسها.

محمد الكيلاني لـ"حفريات": النهضة الحزب الوحيد الذي يتمتع بإمكانيات مادية ولوجيستية مهولة تمكنّه من حشد مناصريه واستعراض القوّة

الحركة التي يرأس زعيمها راشد الغنوشي البرلمان، وتتقلّد قياداتها عدّة وزارات، دفعت أنصارها وقواعدها للخروج إلى الشارع، والتظاهر ضد رئيس الجمهورية الذي رفض التوافق معها بأي شكل، ووضعت شعار "مسيرة الثبات والدفاع عن المؤسسات"، لاحتجاجاتها من أجل دعم الاستقرار، وفق ما أكدته في كل بياناتها، عبر الضغط على رئيس الجمهورية للقبول بحكومة المشيشي الجديدة، التي تضم وزراء تلاحقهم تهم بالفساد.

المسيرة وتوقيتها أثارت العديد من الانتقادات والتساؤلات، عن معنى أن يدفع حزب في السلطة أنصاره إلى الشارع لمساندته، فيما يذهب محللون إلى أنّ زعيم النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، يهدف من وراء الاستنجاد بالشارع إلى تخفيف الضغط عليه، من داخل حركته والبرلمان، إضافة إلى محاولة الحركة استعراض قوتها أمام خصومها السياسيين.

حركة النهضة تفتح الباب لحل الخلافات السياسية في الشارع

وجّهت الرسائل للجميع وفي مقدّمتهم الشعب 

سخّرت الحركة كل إمكانياتها للتعبئة الشعبية من أجل استعراض قوتها، لتثبت أنّها الحزب القوي، تنظيمياً وتعبوياً، والقادر على التواجد في الشارع بقوة، بعد أن راقبت طيلة الفترة الماضية خصومها وهم يتحرّكون ميدانياً وبرلمانياً ضدّها، على غرار حزبيْ التيار الديمقراطي وحركة الشعب من جهة، والحزب الدستوري الحر بقيادة المعارضة عبير موسي من جهة أخرى، وركّزت في بعض شعاراتها على توجيه رسائل لرئيس الجمهورية، الذي رفض قطعياً التوافق معها، خلافاً لباقي الرؤساء الذين تولوا الحكم بعد الثورة.

وقد مثّل بيان زعيم الحركة راشد الغنوشي الذي قال فيه: إنّ المسيرة "تأتي للتعبير عن القلق الذي يساور التونسيين حول ارتفاع درجة المناكفات السياسية والخطابات العدائية بين الفرقاء السياسيين وعدم إيلاء هموم المواطن وأوضاع البلاد الأولوية المطلقة''، مثّل موضوع تندّر لدى روّاد التواصل الاجتماعي، الذين تداولوا التصريح على نطاق واسع، مبدين استغرابهم من أن يحتجّ الحزب الحاكم ضد قلق الشعب وتهميشه.

من جانبه، اعتبر رئيس الحزب الاشتراكي والمفكر اليساري محمد الكيلاني أنّ النهضة قادرة على التحشيد؛ لأنّها الوحيدة التي تملك جهازاً تنظيمياً، والحزب الوحيد الذي يتمتع بإمكانيات مادية ولوجيستية مهولة تمكنّه من حشد مناصريه، واستعراض القوّة.

محمد الكيلاني رئيس الحزب الاشتراكي

وقال الكيلاني في تصريحه لـ"حفريات": إنّ حركة النّهضة، ومن ورائها راشد الغنوشي، عملت على توجيه رسائل لكل الأطراف المكوّنة للمشهد التونسي؛ إذ أرادت أن تؤكد للشعب أنّها الحزب الأقوى وكل الخيوط بيدها، وأرادت أن تؤكد للرئيس قيس سعيّد أنّها تستطيع إيقاف الماكينة وأنّه لا ملجأ إلا إليها، وأنّها أرادت أن تقول لعبير موسي: افعلي ما تريدين نحن هنا، وقادرون على استعراض القوّة.

الكيلاني أضاف أيضاً أنّ الحركة أرادت أن تخبر باقي خصومها السياسيين الذين تحدثوا مؤخراً عن قرب نهاية النهضة، بسبب الخلافات الداخلية التي ارتفعت وتيرتها، أنّها مازالت موجودة، ولم تنتهِ بعد.

يوسف الوسلاتي لـ"حفريات": المسيرة التي نظمتها الحركة ليست أكثر من استعراض قوّة ومحاولة فاشلة لرأب صفوفها واسترجاع شعبيتها التي فقدتها

تستعرض القوّة 

وبرغم الانتقادات، فقد نجحت الحركة في تنظيم مظاهرة لتكون واحدة من أكبر المظاهرات في تونس منذ ثورة 2011، شارك فيها عشرات آلاف المساندين، وتداول نشطاء التواصل الاجتماعي منذ الصباح صفوف الحافلات الخاصة والسيارات، التي استأجرتها الحركة لنقل أنصارها من مختلف الجهات من أجل التجمّع وسط العاصمة، وتداولوا قبل أيام مطلب تنسيقية محلية للحركة بإحدى الجهات تطلب من وزارة النقل استئجار قطار، لنقل الأنصار للعاصمة.

هذا، ونقلت وسائل إعلام محلية نقلاً عن مصادر أمنية، أنّ الحركة استأجرت أكثر من 150 حافلة تابعة لوكالات نقل سياحي وشركات جهوية للنقل، بالإضافة إلى أكثر من 100 سيارة أجرة وتولت جميعها نقل المشاركين في المسيرة.

من جانبها، كتبت الصحفية سناء الماجري، على صفحتها بموقع "فيسبوك"، أنّها صوّرت صوتاً وصوةً، سيارةً بصدد توزيع مبلغ 50 ديناراً (حوالي 18 دولاراً)، وأكثر من 500 حافلة وسيارة أجرة ونقل جماعي من كامل ولايات الجمهورية، ينقلون أنصار الحركة.

يوسف الوسلاتي إعلامي ومحلل سياسي

وفي السياق، أكد الإعلامي والمحلل السياسي يوسف الوسلاتي أنّ أموالاً كثيرةً صُرفت من أجل حشد أكبر عدد ممكن إلى الشارع، وأنّها لم تنجح برغم ذلك في إيجاد المساندة اللازمة، التي توقعتها، سواء من مناصريها أو قياداتها أو الأحزاب الحليفة لها، لافتاً إلى أنّ العقلاء داخل الحركة على غرار سمير ديلو وعماد الحمامي رفضا المشاركة في المظاهرة، وبالتالي رفضا إخافة التونسيين، خصوصاً أنّ الحركة اتُهمت دائماً بالعنف.

وأشار الوسلاتي، في تصريحه لـ"حفريات"، إلى أنّ المسيرة التي نظمتها الحركة، ليست أكثر من استعراض قوّة ومحاولة فاشلة لرأب صفوفها واسترجاع شعبيتها التي فقدتها، لصالح الرئيس قيس سعيّد، بسبب الصراع الذي تخوضه معه خلال الأشهر الأخيرة، لافتاً إلى أنّها تريد أن تكذّب استطلاعات الرأي التي أجمعت على تراجع حجمها الشعبي، وأن تعطي نفساً جديداً لقلب موازين القوى الحالية.

جمعي القاسمي محلل سياسي

ويعتقد المحلل السياسي جمعي القاسمي أنّ المسيرة هي استعراض قوّة بعناوين مخادعة، لأنّ الحركة تدّعي أنّها تدافع عن المؤسسات الدستورية، والحال أنّ هذه المؤسسات ليست مهدّدةً؛ لأنّ التهديد الوحيد الذي تواجهه هو محاولة التمكين التي تمارسها الحركة، لافتاً إلى أنّ الغنوشي وحركته أرادا توجيه رسالة إلى الرئيس قيس سعيّد أنّها قادرة بقوّة المال على حشد أنصارها في الشارع.

اقرأ أيضاً: شبهة المال السياسي تدور حول مسيرة لحركة النهضة في تونس... ما القصة؟

الغنوشي في مواجهة عزلته

بعض التعليقات التي رافقت المسيرة تذهب إلى أنّ الغنوشي يحاول مواجهة عزلته التي اشتدّت من حوله منذ توليه رئاسة البرلمان، خصوصاً بعد التطوّرات التي رافقت عريضة سحب الثقة منه وعزله من منصبه، بعد إمضاء 103 نوّاب لصالحها، كما أنّ الحركة باتت تستشعر خطر الإقصاء، خصوصاً أنّ أغلب معارضيها، سواء من الأحزاب اليمينية أو الاجتماعية، أصبحوا لا يجدون حرجاً في استعمال معجم "الإقصاء" و"المحاكمة" ضدها.

عصام الشابي لـ"حفريات": حركة النهضة فتحت الباب لحسم الخلافات في الشارع، وهذا خطر على استقرار تونس

ولم يتردّد الغنّوشي خلال المسيرة في دعوة رئيس حزب العمال حمّة الهمامي إلى الالتحاق بالمسيرة وإلقاء كلمة أمام حشود النهضة، برغم العداء الكبير الذي يبديه حزب العمال تجاه النهضة، واتهامها باستمرار بتنفيذ الاغتيالات السياسية التي طالت قياداته (شكري بلعيد ومحمد البراهمي) والدعوات المستمرة لمحاكمتها، وإبعادها عن الحكم بسبب الخطر الذي تمثله بالنسبة إلى المجتمع التونسي.

وقد شدّد جمعي القاسمي في حديثه لـ "حفريات"، على أنّ العنوان الرئيس لمسيرة السبت هو "حماية الغنوشي، الذي تلاحقه عرائض سحب الثقة والعزل، والدفاع عنه"، معتبراً ما أقدمت عليه الحركة "تطوّراً ميدانياً له مخاطر عديدة أهمّها الدفع نحو الاحتكام إلى الشارع".

عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري

من جانبه، اعتبر الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي أنّ خروج النهضة إلى الشارع هو دليل على انسداد قنوات الحوار بينها وبين باقي القوى السياسية، معتبراً نزول الحاكم إلى الشارع، بعد نزول المعارضة، خطر على الاستقرار القومي للبلد، وسيزيد من توتير المناخ السياسي.

وشدّد الشابي في تصريحه لـ"حفريات" على أنّ الحركة فتحت الباب أمام حسم الخلافات في الشارع، وهو ما قد يتطوّر إلى صراعات يحتضنها الشارع، داعياً الحركة من موقعها كحزب حاكم إلى قراءة الرسائل قبل إرسالها.

الصفحة الرئيسية